كيف يحتفل الشعراء والأدباء في الكويت بشهر رمضان؟ *

* الرميضي : أتفرغ لاستكمال حوائج الروح في هذا الشهر الكريم بالذات .

* المليفي : رمضان فرصة للتألق والإبداع ومشاركاتي الأدبية قي إذاعة الكويت وإحياء التراث

* الفيلكاوي : احتفل بقدوم الشهر بمأدبة أدبية مع الأدباء والشعراء .

* الرندي : قصتي حدائق العسل من وحي أخلاقيات شهر رمضان لعالم الطفولة

أجرى التحقيق: أشرف ناجي

لم يكن شهر رمضان بكل ما يتضمنه من معان دينية وروحية بالمناسبة التي يمكن أن يغفلها الأدب العربي شعر ونثرا ، ولذلك نجد الأدباء والشعراء يحتفلون برمضان ويحسنون استقباله من خلال إظهار آثار الشهر الكريم على عادات الناس وسلوكياتهم والاحتفال بالانتصارات التي حدثت خلال الشهر ، فرمضان شهر للهداية والنصر والكرم والجود وحسن الخلق ، ولكل مجتمع طابع خاص للاحتفال بهذا الشهر الكريم ، ولأن الأدباء والشعراء جزء من نسيج هذا المجتمع والأقدر على التعبير فإن شهر رمضان بالنسبة لهم يمثل حالة خاصة جدا .. فكيف يحتفل أدباء وشعراء الكويت بهذه المناسبة الروحية العظيمة وكيف عبروا عن مشاعرهم تجاه الشهر الكريم ، هذا ما سنعرفه من خلال هذا التحقيق .

 

في البداية التقينا مع عضو اللجنة الثقافية برابطة أدباء الكويت الشاعر الشاب سالم الرميضي الذي تحدث إلينا قائلا : رمضان شهر الطاعات والرحمات والعبادات له رمزية كبيرة جدا في ذاكرة كل مسلم ولا سيما إذا كان يمارس الأدب وفنونه.

وشخصياً أحب التفرغ لاستكمال حوائج الروح في هذا الشهر بالذات أكثر من الانشغال بأي نشاطات أخرى فأحب أن أقضي وقتي مع الأسرة وأفطر مع الأعمام في بيت جدي رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح الجنة

وعادة ما أتولى إمامة المسجد كإمام مساعد متطوع في صلاة التراويح والتهجد كوني مجازاً بتلاوة القرآن بقراءة حفص عن عاصم أحمل سنداً متواتراً في هذه القراءة، هذا ما يجعلني أبتعد عن عدسات المشهد الثقافي دون أن أفارقه روحاً

وعادة لا تفوتني عمرة العشر الأواخر بحمد من الله وفضل ولا أزال أذكر حين وثقت إحدى هذه العمرات بقصيدة روحانية كانت خاتمة ديواني الأول بريق الماس.

فأنا أحتفل بهذا الشهر الكريم بالمزيد من الطاعات ، وحتى كتاباتي خلال هذا الشهر تمتلىء بالروحانيات الجميلة حيث يبرز ذلك في قصائدي لا سيما الأيام التي أقضيها في بيت الله الحرام بمكة وعند قبر الرسول الكريم بالمدينة .

وهناك عند البيت طفت مهللا ... ومكبرا أرجو نعيم العالي

وعلى الصفا شخصت نواظر مقلتي .... وعلى المقابل زاد بي إقبالي

وحلقت بعد السعي أسود فاحم .... وكأن ليلا صُبَّ فوق قذالي

وحمدت رب الكون في تيسيره .... ورجوته الإخلاص في أعمالي

ولطيبة الأنوار في جنح الدجى .... متلهفا ولها حللت عقالي

وبروضة المختار تنزل أدمع ... ثلجية والخد مني صالي

ذكريات الطفولة

أما الشاعرة والكاتبة الدكتورة نورة المليفي فتقول : رمضان بالنسبة لي يحكي ذكريات الطفولة الجميلة التي عشتها في بيت مستقر مثالي بوجود أب أسطوري كان يضحي من اجلنا ومن اجل إسعادنا ورسم الابتسامة فوق قلوبنا قبل شفاهنا .

لذا استقبل هذا الشهر الكريم باستعادة شريط الذكريات الجميلة والتي دونت معظمها ففي تاباتي الأدبية شعرا ونثرا .

وتضيف المليفي ، كان والدي رحمه الله المدرب الأول لنا في الصيام فقد عودنا الصوم منذ نعومة أظفارنا وتعلمنا منه الصبر والصلاة.

رمضان يحكي قصة عناء الوالدة في المطبخ وإعداد الطبخات التقليدية ، كان يوم الخميس هو يوم النافلة والتي تطبخ فيه الوالدة الهريس الذي نوزعه على الجيران . كنا نقرأ القرآن مع الوالد ونحفظ منه شيئا يسيرا وهذا هو التنافس بين إخوتي في رمضان

وعندما كبرت أصبح رمضان فرصة للتألق والإبداع حيث أتذكر مشاركاتي الأدبية قي إذاعة دولة الكويت وأحيانا مشاركات ومساهمات في إحياء التراث وأحيانا كنت أستغل رمضان لإظهار موهبة الطبخ عندي فأشارك في صفحات القبس الخيمة الرمضانية في إعداد أطباق يومية نالت على إعجاب القراء وأنا الآن جمعت بعضها في كتاب صغير للطبخ أسميته طبختك في جيبك أقدمه هديه لعشاق الطبخ في شهر رمضان .

رمضان بالنسبة لي روحانيات جميلة وفرصة للإبداع والمشاركات الاجتماعية التي تجمعني بالأحبة من الأدباء والمثقفين خلال الخيمات الرمضانية ذات الطابع الشعبي المميز .

طقوس خاصة

من جانبه تحدث إلينا الأديب والشاعر عبدالله الفيلكاوي عضو رابطة أدباء الكويت قائلا : استقبل هذا الشهر الكريم بكل حب وله عندي طقوس خاصة في الاحتفال بقدومه لياليه الجميلة ، فقد تعلمنا من السادة العلماء ومن مشايخنا عند دخول شهر رمضان ، أن نترك الكتب و التعليم و نقبل على القرآن الكريم قراءة و تدبرًا ، وإنني أقول إن القرآن الكريم هو منبع

الإبداعات كلها ولكن هذا النص يحتاج إلى الكثير من التأمل ففي كل رمضان اقرأ من التفاسير اللغوية و غيرها ما يقوي أسلحة الشاعر و يزيد من عمق تفكيره ، فرمضان هو شهر القرآن ..

و كذلك جرت العادة أن أقيمَ مأدبة رمضانية في بداية الشهر الفضيل نحتفل بها مع الشعراء و الأدباء في الكويت بحلول شهر رمضان و نتذاكر الشعر و المديح النبوي تذكرًا لشخص سيدنا الأكرم محمد ﷺ حوت هذه الجلسة الرمضانية الكثير من الشعراء والأدباء الكويتيين والمقيمين في الكويت ..

ثم إنني في رمضان أتفاعل وجدانيًا مع قيم الإسلام الكبرى و أعيش فترة تأمل طويلة كمن دخل دورة تدريبية و أردد هذه الأبيات :

أُنسًا مع الله ، لا أنسًا مع الناسِ ** يُزيلُ وحشةَ همٍ صاغَ وسواسي

أستغفرُ الله من نفسي و شُقوتها ** أستغفرُ الله معْ تِردادِ أنفاسي

كمْ قدْ عصيتُ وكمْ ما زالَ يلطفُ بي ** يا خافيَ اللطفِ رَقِّقْ قلبيَ القاسي

خجلان، لا ماءَ في وجهِ المحبِّ لكمْ ** إلا المحبَّةَ هل تُجزي بإفلاسي ؟!

لو آيَسَ الناسُ من نفسي و ما حملتْ ** فيكَ الرجاءُ وإني لستُ ذا يَاسي

مسارعًا أبتغي وِردًا و مغفرةً ** كما أمرتَ ، و حسبي فيكَ إيناسي

هذا الدعاءُ بنظمِ الشعرِ من رجلٍ ** قدْ غاصَ في الذنبِ حتى آخرَ الراسِ

اجواء روحانية

أما الأديبة والكاتبة أمل الرندي صاحبة الجوائز العربية المميزة في أدب الأطفال فحدثتنا عن طقوسها في الاحتفال بشهر رمضان قائلة : رمضان يعني لي الكثير، فهو أهم مناسبة عندي، كونه يستمر شهراً كاملاً، ولأنه يتميز بأجواء روحانية جميلة، تغسل النفوس وتغذيها بكل نقي وراقٍ، كما أنه يشد من ترابطنا الاجتماعي أكثر،ويؤمن فرصاً أكثر للقاء الأهل والأقارب، بعد انشغالنا طيلة العام في شؤون الحياة وانغماسنا في ضغوطها، ما يعيق قيامنا بواجباتنا بشكل يرضي الله ويرضينا.

فشهر رمضان يشدنا دائماً إلى طقوسه العامة، وإن كان لكل منّا طقوسه الخاصة، نستقبله بالعادات الاجتماعية الجميلة مثل "القريش"، حيث يتجمع الأهل والأصدقاء لتناول الطعام توديعاً لنظام اليوم العادي حيث استقبال هذا اًلشهر مختلف، كما أن من مظاهر شهر رمضان التراثية المتميزة في الكويت "الغبقة الرمضانية" التي تجعلنا نجتمع بشكل آخر بعد صلاة التراويح، سواء مع أسرنا، أو الأصدقاء. وأيضاً فإن العديد من الجمعيات والمؤسسات تحرص على إقامة "الغبقة" فتكون فرصة للقاء والاجتماع في هذا الشهر الفضيل. فشهر رمضان يعطينا فرصة أكبر للترابط وكسر الروتين اليومي أو الأسبوعي أو الشهري،يأخذنا من نظام الحياة الذي يسير بنا بسرعة متناهية، إلى أوقات من الراحة والتأمل في شؤون الدين والدنيا، وإلى مشاعر نابعة من الإيمان والامتلاء الروحاني، وإلى سلوك من العمل الحسن والأخلاق النبيلة التي ترضي الله ورسوله وترضي الإنسان.

أما بالنسبة إلي ككاتبة فأتذكر أنني قمت بتسجيل بعض قصصي للأطفال في الاستديو، وحولتها إلى رسوم متحركة في شهر رمضان المبارك، وكنت أصطحب معي بنات أختي نجلاء (عائشة وفاطمة ولولو) لتسجيل شخصيات القصص، ورغم شعورهن بالإرهاق والتعب من الصوم، لكنهن قدّمن أداء متميزاً حقا،فكان رمضان مباركاً علينا في ما أنتجنا.

وكثيراً ما أستغل صباحات رمضان وأمسياته الطويلة للقراءة والكتابة، فقد كتبت في رمضان إحدى قصص مجموعتي "حدائق العسل" التي فزت بها في جائزة الدولة التشجيعية للمرة الثانية عام 2015، وكانت القصة بعنوان "جميل في كل مكان"، وموضوعها عن حق الطفل في الحياة، حقه في التعليم والعيش حياة كريمة، وكانت القصة من وحي أخلاقيات شهر رمضان وما يوحيه لنا من أعمال إنسانية، بحيث يتعرف الطفل من خلالها على مفهوم الرضا كقيمة أخلاقية مهمة جداً، ومهم أن نزرعها في نفوس أبنائنا.

وقبل ذلك كتبت في رمضان قصة بعنوان "أهلاً رمضان"، لمرحلة الطفولة المبكرة، يتعرف الطفل من خلالها على عاداتنا وتقاليدنا في الشهر الفضيل، وأهمية هذا الشهر في حياة المسلمين.

في الحقيقة، أهمية الشهر بالنسبة إلي ككاتبة أنه يخفف من الأنشطة الثقافية التي أشارك فيها في الكويت وخارجه، ويؤمن لي متسعاً من الوقت للتفكير في مشاريع الكتابة، إن على مستوى الصحافة في المقالة الأسبوعية التي أكتبها في جريدة "الراي" أو الكتابة للأطفال. وبما أن شهر رمضان هو شهر العبادات ، فإن معنى العبادات والواجبات الدينية والإنسانية التي يحض عليها ديننا الكريم يدخل في الكتابات التي أنفذها في هذا الشهر، فيتداخل الدين والأدب ويتوازيان من أجل إنتاج نص أكثر قدرة على الرسوخ في عقول الكبار والصغار، ولا شك في أن القرآن الكريم الذي نكثر من قراءته في شهر التوبة هذا يضيء لنا الكثير من الأفكار التي تغني الكتابة، فنجلس متأملين في آياته البينات ، نمعن التبصر في المعاني، فتنفتح أمامنا آفاق الكتابة.

شهر رمضان هو شهر الطقوس اليومية بامتياز، حيث لكل ساعة عنوانها ومهمتها وصفتها، وعلى الجانب الآخر من القراءة والكتابة ، فإنني أحافظ على واحدة من طقوسي اليومية وهي الرياضة، خصوصاً المشي، الذي يؤمن لي خلوة أخرى مع النفس، أستعيد خلالها الكثير من أمور اليوم بهدوء أكثر، وأستمع خلالها إلى العديد من أساتذة التنمية البشرية الذين أحبهم، ويضخون في فكري الكثير من الطاقة على فهم أمور الحياة.

ولا ننسى أن شهر رمضان يوطد صلة الرحم ويكون مناسبة لاجتماع العوائل، فيخلق جواً نفسياً أساسه التسامح، تغسل فيه النفوس وتطهر من كل الشوائب والضغوط العالقة بها، ويكون مناسبة للتصالح مع النفس والغير.

لو لا يقيني برحماتٍ لكمْ سبقتْ ** صفقتُ باليأسِ أخماسي بأسداسي.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
 سعاد راضي

رئيس تحرير الجوهرة نيوز
مدير عام مؤسسة المنتظرون للدعاية والاعلان والنشر والتوزيع

نحن عشاق الكلمة الطيبة، من الذين رفضوا ادراة المؤسسات الاعلامية باعتبارها تنظيم ذو نشاط اقتصادي، واهمال رسالتها الحقيقية في تثقيف المجتمع، ونشر الرسالة الاعلامية الحقة. رفضوا تسييس الرسالة الاعلامية حتى باتت تعين من لا يتقن فن الحرف والكلمة وحبكهما، فأصبحت المؤسسات الاعلامية وجهة لعمل كل من لا عمل له، ولكنه يتقن التملق والنفاق، فضاع أصحاب الكلمة، وتبعثرت الحروف وضاعت لغة الضاد بين منعطفات شارع الصحافة ووسائل الاعلام.