لوحة7: فتاة تسأل عن الكويت *

مع حلول الأعياد الوطنية، في ليلة شتاءٍ هربت منها كل الأحلام الوردية، وصارت الدنيا فيها بيضاء رمادية، خرجت أمشي في ممرات الذكريات الخطية، التي أرسمها بلوحة شعرية.
جسدت اللوحة مشهد من فيلم الفراق، حيث كنت أقف في داخلها وبقربي فتاة فيتنامية، ترتدي فستاناً أحمر فاقعٌ لونه، وباقي اللوحة سورٌ عن يميني وشارعٌ على شمالها، وبعض الشجيرات الكئيبة خالية الأوراق والثمر، وكلبٌ أبرص يكثر من النباح على قطٍ يغني فوق السور، والنور خافت وكأنه لا يرغب في إزعاج الحجارة التي أتعثر بها كلما خطوت إلى الأمام قليلاً؛ أسفل اللوحة رحت أكتب التالي:

سئلت ذات مرة؛ ماذا تمثل لك الكويت؟
صمت دهراً وفتحت المظلة السوداء التي في يدي، ثم وضعتها فوق رأسي، وصرت أمشي بخطوات متأنية بضع أمتار، وما عاودت النظر إلى الوراء أبداً...ولكني أخرجت لفافة تبغ آوروبية من جيب سترتي المعتمة، ورحت أدخن.

جرت نحوي من جديد تلك الفتاة الجميلة ذات الشعر الذي اقتبس لون الشمس، وعاودت السؤال من جديد؛ ماذا تمثل لك دولة الكويت؟

نظرت نحو السماء الملبدة بالغيوم وصرت أقول، سوف تبكِ السماء بعد قليل، دموعاً لأنني خارج وطني، ولكنها لن تبكِ أبداً لأن الكويت خارج قلبي...إنها لعنة وقد حلت علي، فأنا مدمن على تعاطي غبارها كل صيف، وإن كان يتسبب لي بضيق التنفس...!

الكويت هي حقاً لعنة، من تصيبه بتيه بين الأفلاك، فإن خرج منها يخطف بريق عينه الشوق فيدمع، وإن رجع لا يتحمل المكوث فيها أكثر من سويعات ليشعر كم هو غريبٌ في وطنه وبين أهله...!

هل تودين حقاً أن تعرفين ماذا تمثل لي دولة حرمتني من حقوق وحرمتها من ذاتي؟
حرمتني من السعادة، فتوقفت عن هدر عمري في التطوع من أجلها؟

يا لكِ من بائسة، تسألين عن وطن ملك القلوب، وحارت في وصفه العقول، وفيه سرٌ من أسرار الكون المعمور، وهو قبلة تهوي إليها أفئدة من الناس، إنه قطعة جبن في طبق يلعقها كل فأر وقط وثعلب ... إنه وطن يبحث عن سكان من الأرانب، فقد عج بالأسود المتصارعة، وبات يصدرهم نحو الخارج ...!

آهٍ يا فتاتي، لقد أمطر الهم ماءً موحل من عينيكِ وأنتِ محرومةٌ من زيارة منزل زوجك في الكويت ... تعالي أجفف ملابسك كي لا تموتي قهراً عندما تعرفين أنك لا تملكين منزلاً فيها، ولا حتى أنا أملك؛ إنما أسكن القلوب التي تحمل لي عشقاً، وتسعد بقربي سويعات، ثم تلعن حظي لساعات، وتشتاق لكلماتي ساعات...!

إذا أردتِ فعلاً معرفة ماذا تمثل لي الكويت؟
أخبريني ماذا أمثل أنا لكِ؟
 
 
قيم الموضوع
(4 أصوات)

نحن عشاق الكلمة الطيبة، من الذين رفضوا ادراة المؤسسات الاعلامية باعتبارها تنظيم ذو نشاط اقتصادي، واهمال رسالتها الحقيقية في تثقيف المجتمع، ونشر الرسالة الاعلامية الحقة. رفضوا تسييس الرسالة الاعلامية حتى باتت تعين من لا يتقن فن الحرف والكلمة وحبكهما، فأصبحت المؤسسات الاعلامية وجهة لعمل كل من لا عمل له، ولكنه يتقن التملق والنفاق، فضاع أصحاب الكلمة، وتبعثرت الحروف وضاعت لغة الضاد بين منعطفات شارع الصحافة ووسائل الاعلام.